اسماعيل بن محمد القونوي

312

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

كَلِمَةً باقِيَةً [ الزخرف : 28 ] ) وقرىء متعت خطابا له تعالى بناء على أنه تعالى اعترض على ذاته أي على صورة الاعتراض قصدا إلى توبيخ المشركين لا إلى تقبيح فعله تعالى كما إذا قال المحسن على من اساءه مخاطبا لنفسه أنت الداعي لإساءة بالإحسان إليه ومساعدته التامة كذا فهم من الكشاف وقد عرفت أن نزول القرآن على محاورة العرب فلا ضير في مثل هذا التعبير لكن لو قيل وقرىء متعت على صورة الاعتراض لكان أحسن . قوله : ( مبالغة في تغيرهم ) في قوله مبالغة إشارة إلى أن القراءة الأولى توبيخ أيضا إذ هذا الكلام مستعمل في التوبيخ لكن في هذه القراءة زيادة توبيخ حيث أبرز على صورة الاعتراض على ذاته تعالى بل متعت التفات متكلما كان أو خطابا إن كان فاعل وجعلها هو اللّه تعالى وقيل فإذا كان من كلامه تعالى لا من كلام إبراهيم كما جوزه فهو تجريد لا التفات انتهى التعبير بالتجريد هنا ليس بمستحسن وإذا كان من كلام إبراهيم عليهم السّلام في صورة الخطاب فلا اعتراض بل توبيخ للمشركين وإما في المتكلم فلا مساغ لكونه من كلام إبراهيم إلا أن يقال إنه بطريق الحكاية . قوله : ( دعوة التوحيد أو القرآن ظاهر الرسالة بما له من المعجزات أو مبين للتوحيد بالحجج والآيات ) لما كان التمتع سببا لاشتغالهم به من شكر المنعم فكأنه قيل اشتغلوا به حتى جاءهم الحق وهو غاية له في نفس الأمر لأنه مما ينهيهم ويزجرهم لكنهم لطغيانهم عكسوا فهو كقوله تعالى : وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [ البينة : 4 ] كذا نقل عن شروح الكشاف وفي الكشاف نوع تنبيه عليه وقول المصنف فاغتروا وانهمكوا في اللذات إشارة إلى أنه غاية لما فهم من متعت وهو اغترارهم فجيء الحق غاية له لأنه مما يزجرهم وعدم انزجارهم لا يضر لأنه في نفس الأمر « 1 » كذلك . فكأنه تعالى حين قال وجعلها كلمة باقية في عقبه اعترض على نفسه مخاطبا له أي بقاء كلمة التوحيد في عقبه وقد اشرك كثير بعده بل متعت هؤلاء الآية أي بل متعتهم بما متعتهم به من طول العمر والسعة في الرزق حتى شغلهم ذلك عن كلمة التوحيد وأراد بذلك المبالغة في تعبيرهم لأنه إذا متعتهم بزيادة النعم وجب عليهم أن يجعلوا ذلك سببا في زيادة الشكر والثبات على التوحيد والإيمان لا أن يشركوا به ويجعلوا له أندادا فمثاله أن يشكو الرجل إساءة من أحسن إليه ثم يقبل على نفسه فيقول أنت السبب في ذلك بمعروفك وإحسانك وغرضه بهذا الكلام توبخ المسئ لا تقبيح فعله .

--> ( 1 ) أو نقول إن مجيء الحق إليهم تمتع لا تمتع فوقه فيكون غاية لتمتعهم اللازم للتمتيع لأن التمتع كان متنا هنا بهذا الاعتبار وإن لم يكن متناها لتحقق إفراده المحقرات بالنصر إلى الحق ومجيئه نظيره ما قاله في أوائل سورة الأنعام في قوله تعالى : إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ الآية فإن جعل أصدق الحديث خرافات الأولين غاية التكذيب وقس عليه ما عداه من أمثاله .